الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنَّ إيتاءَ الزكاةِ ركنٌ من أركان الإسلام، كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «بُني الإِسلامُ على خمسةٍ: على أنْ يُوحَّدَ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصيامِ رمضانَ، والحجِّ». متفق عليه([1]).
قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20].
وأجْمعَ المسلمونَ على فرْضِيَّتها فمنْ أنْكَرها كفَر. ومَن بخِلَ بها أو انْتَقصَ منها شيئاً فهو من الظَّالمينَ المتَعرضينَ للعقوبةِ والنَّكالِ.
قال الشيخُ العلامة الفوزان حفظه الله: «فُرضتْ الزكاة في السنة الثانية للهجرة النبوية. وفي الزكاة إحسان إلى الخلق، وهي طهرة للمال من الدنس، وحصانة له من الآفات، وعبودية للرب سبحانه، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وبالتالي؛ فهي تطهير للنفوس مِن الشُّح والبخل، وامتحان للغني حيث يتقرب إلى الله بإخراج شيء ماله المحبوب إليه.
وقد سمَّاها الله بالزكاة، لأنها تزكِّي النفس والمال؛ فهي ليست غرامة ولا ضريبة تنقص المال وتضُرّ صاحبه، بل هي على العكس تزيد المال نموًا من حيث لا يشعر الناس، قال ﷺ: «ما نقص مال من صدقة»([2]).
والزكاة في الشرع: حقٌّ واجبٌ في مالٍ خاصٍّ لطائفةٍ مخصوصة في وقت مخصوص، هو تمام الحول في الماشية والنقود وعروض التجارة، وعند اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمار»([3]).
ومن فوائد الزكاة وثمارها:
أنها برهان على صحة إيمان مُخْرجِها كما قال النبي ﷺ «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ»([4]).
والله عز وجل يبارك لصاحبها ويخلف عليه خيرًا، كما في قوله ﷺ: «اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا». متفق عليه([5]).
وكم فيها من دعوات صالحات يدعو بها الفقير المحتاج الذي سدّت حاجته بمال الزكاة.
مع ما فيها من الأجر والثواب العظيم. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «كلّ امرئ في ظلّ صدقته، حتّى يفصل بين النّاس»([6]).
وفيها تكفيرللسيئات كما قال النبي ﷺ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ»([7]).
وقال النبي ﷺ: «والصّدقةُ تُطفئُ الخَطِيئة»([8]).
وفيها نجاة وخلاص بإذن الله كما قال النبي ﷺ: «وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ العَدُوُّ، فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ»([9]).
وتجب الزكاةُ في أصناف من الحبوب، وبهيمة الأنعام، والذهب والفضة، وعروض التجارة، وما لَحِق بذلك ممّا تشملُه الأدلَّة ونصَّ عليه أهلُ العلم.
فيَنبغي للمسلم أنْ يتعلّم وأنْ يسألَ عن دينه كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. حتى لا يكون ممَّن يمنعُ الزكاةَ فيما عنده وهو يحسِب أنه لا زكاة عليه، فلا يجوز التساهل في ذلك.
وبيّن الله عز وجل مصارف الزكاة، فقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
فلا يجوز صرف الزكاة في غير هذه المصارف التي عيَّنها الله تبارك وتعالى، وما أكثر الأخطاء في هذا الجانب فعلى المسلم أن يتفقه في دينه.
فلا يجوز له دفع الزكاة إلى من تجب عليه نفقته من الأصول والفروع والزوجات، ولا إلى فقيرة لها زوج غَنيّ، ولا إلى فقير له مَن يُنفق عليه بما يكفيه، ولا تصح على غَنِي.
وجاء في الترهيب مِن منعها، أو التساهل فيها بإخراجها في غير مصارفها أدلةٌ كثيرةٌ، ومن ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
وقال ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» الحديث([10]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ آتَاهُ الله مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران:180] ([11])
ولمَّا منعَ قومٌ الزكاةَ بعد موتِ النبيّ ﷺ، وعزمَ أبو بكر على قتالهم وراجَعَهُ عمر رضي الله عنه في ذلك، قال أبو بكر الله عنه: «واللهِ لأقاتِلَنَّ مَن فرَّقَ بين الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ، واللهِ لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدُّونَها إلى رسولِ اللهِ ﷺ لقاتَلْتُهم على مَنْعِها»([12]).
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»([13]).
نسأل الله التوفيق والسداد والهدى والرشاد، والحمد لله رب العالمين.